الفلسفة من حب الحكمة إلى حكمة الحب!
بقلم الدكتور قاسم المحبشي
«عندما يتنكر الناس للعقل فإن مختلقات خيالهم تتضخم وينغمسون في مهاوي الأوهام والأخطاء»
الفلسفة واحدة من الكلمات القليلة التي تعرضت لسوء فهم لاحدود له ،وارتكبت بحقها شناعات لاسبب لحصرها ،وألصقت لها معان وتصورات ليست من طبيعتها في شيء ،كالسفسطة والهراء والتعقيد والغموض والزندقة ..وغير ذلك من الأحكام والنعوت السلبية التي نالت من سمعة«أم العلوم» وملكة الحكمة وأميرة المعارف وشوهت صورتها في تاريخ الفكر العربي الإسلامي القديم وفي الوسط الثقافي والتعليمي والرأي العام العربي اليمني الراهن.
فإذا ماتحدث شخص ما باسهاب ،سرعان مايرد عليه بالقول المكرور«بلاش فلسفة وإذا ما أراد المرء أن يحلل ظاهرة أومشكلة اجتماعية أوثقافية باسلوب التفكير النظري يتهم بالتعقيد والتفلسف.
فاجع ذلك المصير الذي آل إليه حال أم العلوم وربيبة الدهشة في هذه الاصقاع المسممة بالبؤس والجهل والتخلف، فالعداء مصوب إليها من كل حدب وصوب من السلطان ومن العوام من اللاهوت ومن الأساطير والخرافات ،من العلم المتخصص والايديولوجيات الدوغمائية ،ثمة خصومة شاملة وحرب غير مقدسة ضد من اسماها خطيب اليونان العظيم شيشرون«اشرف العلوم» بقوله«كيف كانت تغدو الحياة بدونك أيتها الفلسفة ياأشرف العلوم؟»
هكذا سددت سهام الجهل والزيف والغرائز المنفلتة من عقالها إلى قلب ملكة الحكمة ونبراس الحقيقة.
بيد أن مايدعو إلى الأسف المرير أن تنتهك كرامة الحكمة ويباح شرفها في بلد قيل عنه بأنه بلد الحكمة والايمان بلسان خاتم الرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم «الايمان يمان والحكمة يمانية» أليست مفارقة مخجلة أن يطيب لنا التفاخر بطريقة غنائية واحتفالية ساذجة بأننا أصحاب الحكمة في حين أن الفلسفة التي هي حب الحكمة غدت اليوم موضوعاً للتندر والسخرية والهراء إلى درجة أن المتخصص بالفلسفة يحمر وجهه خجلاً إذا ماسئل عن موضوع تخصصه ذلك لأنه يعلم مسبقاً قبح الصورة التي طبعت في أذهان الناس من الفلسفة ومعناها من قبل«أنها مجرد كلام فارغ» أو«ماتؤكلش عيش»أو «راح زمانها» أو«ليس لها سوق».. إلخ.
وهذا التكريس السيء الصيت لتلك الصورة المشوهة عن الفلسفة افضى إلى نفور الطلاب من الالتحاق بأقسام العلوم الاجتماعية والانسانية في الجامعات اليمنية التي أصبحت اليوم تعيش سقماً وفقراً شديدين ،وبات ينظر إليها كأقسام هامشية بل ورائدة عن اللزوم وهذا مايعزز الرغبة عند البعض من الحاقدين على الفلسفة في الدعوة الآثمة والخطيرة إلى اغلاق اقسامها والتشفي بمتسبيها.
ومع أننا نعرف الأسباب التي افضت إلى هذه النتيجة الفاجعة التي بلغتها الفلسفة وعلومها في بلادنا العربية عامة لاسيما في بعض دول الخليج والسعودية وفي الجامعة اليمنية على وجه الخصوص ،تلك الأسباب التي تتمتع بجذورها العميقة في البنية الذهنية للانسان العربي إذ أكد ابن خلدون «بأن الحكمة ليست من طبيعة العرب لأن سجيتهم التوحش» أنا وإن كنا لانتفق مع ابن خلدون في تعميم هذا الحكم القاسي على العرب نجد انفسنا في موقف يصعب الدفاع عنه بازاء رأي المستشرقين أمثال الالماني«Tennemann» تنيمان المتوفي سنة1819 أحد رواد تاريخ الفلسفة الحديثة والذي ذهب إلى أن عجز العرب عن التفلسف يعود إلى:
«1ـ كتابهم المقدس الذي يعوق النظر العقلي الحر.
2ـ حزب أهل السنة ،وهو حزب مستمسك بالنصوص.
3ـ أنهم لم يلبثوا أن جعلوا للمنطق الصوري سلطاناً مستبداً على عقولهم.
4ـ مافي طبيعتهم القومية من ميل إلى التأثير بالأوهام» وفي هذا السياق يأتي المستشرق الفرنسي ارنست رينان ت 1892م ليقرر بأن العرب بما هم جنش سامي عاجزين عن ممارسة التفكير الفلسفي الأصيل لأنهم منساقون بفطرتهم الحسية البسيطة التي لاتقوى على التحليل والتنظير وابداع المفاهيم» ويصعب الاتفاق مع تينمان لمافي القرآن الكريم من حث على طلب التفكير والتأمل والتدبر.
وإذا كنا لانتفق مع التفسير الذي يعيد سبب غياب الفلسفة في الفكر العربي الاسلامي إلى أسباب بيولوجية طبيعية فإننا نعتقد أن ضغط العوامل السياسية والتاريخية في الماضي كان السبب الرئيسي في تهميش الدرس الفلسفي والنظر إليه بمنظار برجماتي ضيق في حدود الاهداف والغايات الايديولوجية لهذا الحاكم أوذلك.
وفي ضوء القاعدة التي تقول أن لاسلطة إلا بوظيفة ،نرى أنه لم يكن للفيلسوف العربي المسلم وظيفة تبرر الفلسفة أي مباشر التفكير الفلسفي بالاسلوب الذي اتبعه اليونان فيبرر قيام الحوار الفلسفي بين جمهور المسلمين سياسياً واجتماعياً وأخلاقياً وتربوياً كما كان الأمر في اثينا سقراط وافلاطون وارسطو أو كما صار الأمر في أوروبا بيكون وديكارت وهيوم وهيجل وراسل وهيدجر وفوكو وسارتر وبارت وجاك دريد ولايزال إلى اليوم.
وأنه لأمر ذو دلالة خطيرة أن يرتبط دخول الفكر الفلسفي إلى حقل الثقافة العربية الاسلامية بحلم الخليفة المأمون ،ويؤرخ لخروجها أي الفلسفة بحلم أوغضب الخليفة الموحدي ابن عبدالمؤمن الملقب بالمنصور أمير قرطبة الذي غضب على ابن رشد بسبب الوشاة وأحرق كتبه ونفاه إلى جزيرة «اليسانه».
وقد كان ابن رشد بمثابة الوهج الذي يشتعل قبيل انطفاء الشمعة بالنسبة للعقل العربي الفلسفي ،وربما كان العلامة ابن خلدون الحضرمي هو القبس الأخير في العقل الذي انطفئ سراجه قرابة ستة قرون من الزمن.
وعلى الرغم من مرور قرابة قرنين من الزمن على بداية يقظة العقل العربي الحديث والمعاصر اليقظة التي تعني فيما تعنيه «عودة العرب إلى الفلسفة وعودة الفلسفة إلى العرب» كما عبر المفكر أحمد برقاوي في احد كتبه.
نقول على الرغم من ذلك إلا أننا في هذا الصقع المنسي من الجنوب العربي لا نزال نقف من الدرس الفلسفي ذات الموقف الذي ساد في عهد الظلام والانحطاط قبل ستة قرون.
وربما وجدنا مايفسر هذا الموقف السلبي في التفكير النظري في تأخر يقظتنا الثقافية في اليمن التي لم تبدأ إلا في منتصف القرن الماضي قبل سبعة عقود من الزمن.
كما أن ضعف الخبرة وقصر الفترة التي عرفنا بها الفلسفة بما هي تخصص علمي أساسي في العلوم الانسانية في جامعتي صنعاء وعدن وماأصاب هذا التخصص من تشوهات واضرار بسبب التوظيف الايديولوجي الدغمائي لانساق المعرفة الفلسفية وإذا كان من غير الجائز أن نرد للاسلام أونحكم عليه من خلال هذه أوتلك الصور المتطرفة التي تدعيه اليوم فم الخطأ أيضاً أن نرجع إلى احدى الصور المتطرفة الدغمائية التي تحاول الظهور بها: كالاشتراكية أوالماركسية أوالنيتسوية النازية أوالوجودية الفرنسية أو البنيوية أوالبراجماتية.. إلخ.
ذلك لأن الفلسفة حوار مفتوح ،حوار بين الأفكار والآراء حوار بين الذات والآخرين ،حوار بين الشعوب والثقافات ،حوار خصب غايته البحث عن الحقيقة والمعنى في عالم يكتنفه الغموض والفوضى واللامعنى أنها حكمة الشعوب التي تروي ملحمة المغامرة الانسانية وصيروتها على هذه الارض.
ـ الفلسفة والانسان
ألا يكفي الفلسفة فخراً وسمواً أن معناها الحرفي هو«محبة الحكمة» «فيلو» حب «وسوفيا» الحكمة وهي إذ جمعت في بنيتها العميقة بين الحب والحكمة فإنها حميمية الصلة بالانسان أنها وليدة اقتران القلب والعقل ثمرة الزواج المقدس بين أقوى وأنبل عاطفة انسانية «الحب» وأسمى وأجل مزية تميز بها الانسان عن الحيوان العقل «الحكمة» وفعل «أحب» اليوناني يعني وافق وانسجم أو تكلم بلغة العقل إلى الحكمة فمن ذا الذي يكره الحكمة قال تعالى«وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم» البقرة الاية«216» وقال عزوجل«ومن يؤت ا
المزيد