
الباحث: د/ قاسم عبده عوض المحبشي
الدرجة العلمية: دكتوراه
تاريخ الإقرار: 2004
نوع الدراسة: رسالة جامعية
الملخص:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وأصحابه الغر الميامين ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
لأطروحة الموسومة بـ (فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر، أرنولد توينبي موضوعاً) والتي تشرفت بإعدادها على يدي أستاذي القدير مدني صالح الهيتي، وهي دراسة نقدية إجمالية لأبرز اتجاهات فلسفة التاريخ المعاصر مع التركيز في البحث والتحليل على فلسفة التاريخ والحضارة عند أرنولد توينبي بعده أبرز فلاسفة التاريخ المعاصرين في سياق دراسة نقدية مقارنة مع أهم فلاسفة التاريخ في القرن العشرين.
تنطوي هذه الدراسة على أهمية مزدوجة، فهي من جهة تحاول أن تقدم صورة إجمالية عن المشهد الفلسفي التاريخي للقرن العشرين وتميط اللثام عن طبيعة تلك التحديات والمشكلات والأسئلة التي تصدى لها فلاسفة التاريخ الغربيون، وحاولوا تفسيرها من زوايا نظر منهجية مختلفة ومتصارعة، وهي من جهة أخرى محاولة لدراسة فلسفة التاريخ والحضارة عند أرنولد توينبي دراسة منهجية نقدية تفصيلية، إذ أنه على شهرته الواسعة لم يعط حقه من البحث والتقييم في الدراسات الفلسفية. فضلاً عن أنها تكسبنا الخبرة الأكاديمية النظرية والمنهجية في معالجة تاريخنا الخاص ودراسته دراسة فلسفية نقدية عقلانية، لاسيما ونحن ما نزال نعيش تحت العبء الثقيل للتاريخ الذي ينتصر علينا دوماً ولم نتمكن من فض بنيته وسبر كنهه واكتشاف حقائقه ودينامياته المتخفية، فما زال تاريخنا العربي الإسلامي أشبه بالوثن الكبير الذي ينيخ بكلكله على صدورنا ويكبلنا في سلاسله العتيدة. ويكسر رؤوسنا على صخرته الراسخة التي لا ترحم ولا يتكسر رأسه أبداً.
إن أهمية فلسفة التاريخ لا تكمن في ذاتها، فهي لا تقدم معرفة عن الماضي، بل أن قيمتها الحقيقية تتمثل فيما تقوم به من وظيفة في الحاضر، حاضر وعي من ينتمون إلى التاريخ الذي تفلسفه، وربما كان عدم تمكننا من فلسفة تاريخنا إلى اليوم، أعني كتابته كتابة تعطيه معنى بإزاء الحاضر، هي إحدى أسباب عجزنا عن فهم حاضرنا والتخطيط السليم لمستقبلنا.
وكل فلسفة للتاريخ لا يمكن لها أن تقوم إلا بالاستناد إلى أساس من الفهم الواضح والمتميز لمعنى ألإنسان ومكانته وقيمته في هذا العالم الإنساني تحت فلك القمر، فالإنسان هو المحور الجوهري والأساس المشترك الذي انطلقت منه كل فلسفات التاريخ الحديثة والمعاصرة، غير أن صراع فلسفات التاريخ في الفكر الغربي الحديث والمعاصر لم يكن في حقيقته أمره النقدية صراعاً ثقافياً أكاديمياً منهجياً فلسفياً في تفسير التاريخ ومعناه، بل كان صراعاً واقعياً وجودياً من أجل السيطرة على التاريخ وصنعه وتوجيه مساره والفوز بخيراته. وهذه هي طبيعة التاريخ من حيث هو صراع وتغالب وتنافس بين الناس. قال تعالى: "لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" (البقرة 25).
إنها حكمة الله في خلقه الذي أمر الإنسان بالسعي وتعمير الأرض وجعل الأيام دول بين الناس "تلك الأيام نداولها بين الناس" (آل عمران 104).
وعلى الرغم من اختلاف السياق الثقافي الغربي عن سياقنا الثقافي الشرقي وما ينجم عن ذلك من صعوبة الفهم للنصوص والمفاهيم ومقاصدها، بذلنا قصارى جهدنا في تتبع الأفكار في منابتها الأصلية وسياقاتها التاريخية الحية بما توافر لنا من مصادر عربية وأجنبية.
يعد العصر الحالي أكثر العصور نزوعاً إلى التفكير بصورة تاريخية، وذلك بسبب ما شهده مشروع الحداثة الغربية من أزمات خانقة وأحداث عاصفة ومتغيرات كثيرة في مجمل الخبرة التاريخية في الثقافة والحضارة والمدنية، وهذا ما أفضى إلى ازدهار فلسفات التاريخ المعاصرة على نحو لم يسبق له مثيل. إذ شغلت مشكلة التاريخ وقواه وحركته وتطوره، ومشكلة الحضارة الغربية ومصيرها عدداً واسعاً من الفلاسفة والمفكرين أمثال نيتشة وشبنجلر بليخانون وبوير وكروتشة ولوكانش وكولنجوود وكولن ويلسون واشفيتسر وليفي شتراوس وسارتر وفوكو وهيرمان وجارودي وتوفلر وهننجتون وفوكو ياما وغيرهم.
وفي وسط ذلك الاضطراب الشامل تقف فلسفة أرنولد توينبي الليبرالية الجديدة كمحاولة للتوفيق بين جميع الاتجاهات الفلسفية المتصارعة، إذ جمعت بين النظرة الدورية للحضارات والنظرة الخطية للعناية الإلهية، وذلك بتأكيد التعاقب الدوري للحضارات مع الحفاظ على دور الوثبة الحيوية في نظرة التحدي والاستجابة، وهي بذلك تعد أصدق تعبير عن مثل الليبرالية الجديدة، فهي تعد تعبيراً عن مميزاتها، عن فشلها وعن التشاؤم التاريخي الكامن خلفها.
وإذا كان توينبي قد كتب نقشاً على ضريح الحضارة الغربية فإن المتشائمين الثقافيين أمثال نيتشة وشبنجلر وفوكو يتجمعون للاحتفال والسهر حول الجثة قبل دفنها.
محتويات الاطروحة
اشتملت هذه الأطروحة بعد التمهيد على خمسة فصول وخاتمة. توقفنا في التمهيد عند أهم المفاهيم التي تتصل بهذه الدراسة: التاريخ والحضارة المدنية والثقافة وعقدنا الفصل الأول لتتبع المسار التاريخي لنشوء فلسفة التاريخ وتطورها في الأدب الأسطوري القديم وفي الفكر الفلسفي اليوناني، وفي اللاهوت اليهودي المسيحي الوسيط، وتفسير التاريخ عند ابن خلدون. ثم انتقلنا للبحث في البدايات الأولى لفلسفة التاريخ الحديثة في عصر النهضة الأوربية وفي عصر التنوير وفي القرن التاسع عشر، إذ لاحظنا أنه يصعب فهم فلسفة التاريخ عند آرنولد توينبي دون العودة إلى تاريخ فلسفة التاريخ كله، ذلك أن توينبي قد أنشأ فلسفته في التاريخ والحضارة بالاعتماد على كل التراث التاريخي الماضي.
وخصصنا الفصل الثاني للحديث عن فلسفة التاريخ والحضارة في القرن العشرين، محاولين بيان العلاقة بين الأحداث والمتغيرات الكبيرة التي شهدها القرن وتجلياتها على صعيد الفكر الفلسفي التاريخي، وفي عدد من الاتجاهات الفلسفية، الاتجاه المادي الماركسي، الاتجاه الحيوي النيتشوي، والاتجاه الوضعي التجريبي، والاتجاه البرجماتي الذرائعي، وعرضنا لموقف توينبي من كل هذه الاتجاهات.
وفي الفصل الثالث تناولنا الخطوط العامة لفلسفة التاريخ عند أرنولد توينبي، وتوقفنا في البدء عند حياة توينبي والإمبراطورية البريطانية، وتتبعنا المسارات التي اتخذتها حياة توينبي منذ الميلاد والنشأة والتربية والتعليم والانخراط بالعمل الجامعي، وتطوره الفكري ونشاطاته الأكاديمية والسياسية واهتمامه بالقضايا العامة، وذكرنا أهم أعماله. وتحدثنا عن موقف توينبي بين التاريخ والفلسفة، ثم بينا الاتجاهات العامة في فلسفة توينبي في التاريخ والحضارة.
وعقدنا الفصل الرابع للبحث في تفسير توينبي للتاريخ والحضارة بعنوان التحدي والاستجابة والتعاقب الدوري للحضارات أوضحنا فيه معنى التحدي والاستجابة الذي اشتهر به توينبي وكيف أن توينبي فسر نشوء ونمو الحضارات وازدهارها, وانهيارها, بالاعتماد على فكرة التحدي والاستجابة، وتتبعنا معالجة توينبي مشكلة نشوء الحضارة من المجتمع البدائي، ونقده نظريات العرق والبيئة في تفسير ظاهرة الحضارة، ثم عرضنا لرأي توينبي في تعاقب الحضارات على شكل دوري في ثلاثة أجيال وعوامل نمو الحضارات وأسباب انهيارها، وتوقفنا عند تفسير توينبي للحضارة الغربية ومستقبلها، ورأيه في الصدام الحضاري بين العالم والغرب، وموقف توينبي من أمريكا ودورها في العالم المعاصر، ورؤية توينبي الليبرالية لخلاص الحضارة الأوروأمريكية ودعوته لقيام الدولة العالمية التي تستوعب كل الشعوب والديانات.
أما الفصل الخامس والأخير، فقد خصصناه لبحث تفسير توينبي للحضارة العربية الإسلامية، وتناولنا في البدء علاقة توينبي بالاستشراق واعتماده على الدراسات الاستشراقية ومسوغات اهتمامه بالحضارات الشرقية والحضارة الإسلامية على وجه التحديد، ثم درسنا تفسير توينبي الاستشراقي للحضارة العربية الإسلامية وكشفنا عن جملة من الاضطرابات والتناقضات التي وقع فيها توينبي في دراسته الدين الإسلامي ومكانة الرسول محمد r في تبليغ الرسالة، ودور العنصر العربي في تأسيس الدولة الإسلامية، ثم تناولنا بالدرس والتحليل موقف توينبي من فلسطين وإسرائيل في ثلاثة مستويات، تاريخي فلسفي أيديولوجي، وأشرنا إلى ردود الأفعال التي أثارتها آراؤه النقدية في اليهود والتعصب الإسرائيلي واحتلال إسرائيل فلسطين، وأوضحنا موقف الفكر العربي من توينبي، وكيف أن هذا الموقف غلب عليه الجانب الانفعالي الاحتفالي وغاب عنه الأفق الأكاديمي النقدي.
و عرضنا في الختام أرث توينبي وأثره في الثقافة المعاصرة، مبينين أهم الأفكار التي خلفها توينبي في تاريخ الفكر الإنساني، وأبرز الدارسين الذين استلهموا توينبي في دراستهم التاريخ والحضارة واستخلصنا أهم
















