Yahoo!
المحابشة لؤلؤة الشرفين

فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر - آرنولد تويني موضوعاً

مايو 17th, 2010 كتبها زيد يحيى المحبشي نشر في , فكر

الباحث:  د/ قاسم عبده عوض المحبشي 

الدرجة العلمية:  دكتوراه

تاريخ الإقرار:  2004

نوع الدراسة:  رسالة جامعية

 الملخص:

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين وأصحابه الغر الميامين ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

 

لأطروحة الموسومة بـ (فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر، أرنولد توينبي موضوعاً) والتي تشرفت بإعدادها على يدي أستاذي القدير مدني صالح الهيتي، وهي دراسة نقدية إجمالية لأبرز اتجاهات فلسفة التاريخ المعاصر مع التركيز في البحث والتحليل على فلسفة التاريخ والحضارة عند أرنولد توينبي بعده أبرز فلاسفة التاريخ المعاصرين في سياق دراسة نقدية مقارنة مع أهم فلاسفة التاريخ في القرن العشرين.

 

تنطوي هذه الدراسة على أهمية مزدوجة، فهي من جهة تحاول أن تقدم صورة إجمالية عن المشهد الفلسفي التاريخي للقرن العشرين وتميط اللثام عن طبيعة تلك التحديات والمشكلات والأسئلة التي تصدى لها فلاسفة التاريخ الغربيون، وحاولوا تفسيرها من زوايا نظر منهجية مختلفة ومتصارعة، وهي من جهة أخرى محاولة لدراسة فلسفة التاريخ والحضارة عند أرنولد توينبي دراسة منهجية نقدية تفصيلية، إذ أنه على شهرته الواسعة لم يعط حقه من البحث والتقييم في الدراسات الفلسفية. فضلاً عن أنها تكسبنا الخبرة الأكاديمية النظرية والمنهجية في معالجة تاريخنا الخاص ودراسته دراسة فلسفية نقدية عقلانية، لاسيما ونحن ما نزال نعيش تحت العبء الثقيل للتاريخ الذي ينتصر علينا دوماً ولم نتمكن من فض بنيته وسبر كنهه واكتشاف حقائقه ودينامياته المتخفية، فما زال تاريخنا العربي الإسلامي أشبه بالوثن الكبير الذي ينيخ بكلكله على صدورنا ويكبلنا في سلاسله العتيدة. ويكسر رؤوسنا على صخرته الراسخة التي لا ترحم ولا يتكسر رأسه أبداً.

 

إن أهمية فلسفة التاريخ لا تكمن في ذاتها، فهي لا تقدم معرفة عن الماضي، بل أن قيمتها الحقيقية تتمثل فيما تقوم به من وظيفة في الحاضر، حاضر وعي من ينتمون إلى التاريخ الذي تفلسفه، وربما كان عدم تمكننا من فلسفة تاريخنا إلى اليوم، أعني كتابته كتابة تعطيه معنى بإزاء الحاضر، هي إحدى أسباب عجزنا عن فهم حاضرنا والتخطيط السليم لمستقبلنا.

 

وكل فلسفة للتاريخ لا يمكن لها أن تقوم إلا بالاستناد إلى أساس من الفهم الواضح والمتميز لمعنى ألإنسان ومكانته وقيمته في هذا العالم الإنساني تحت فلك القمر، فالإنسان هو المحور الجوهري والأساس المشترك الذي انطلقت منه كل فلسفات التاريخ الحديثة والمعاصرة، غير أن صراع فلسفات التاريخ في الفكر الغربي الحديث والمعاصر لم يكن في حقيقته أمره النقدية صراعاً ثقافياً أكاديمياً منهجياً فلسفياً في تفسير التاريخ ومعناه، بل كان صراعاً واقعياً وجودياً من أجل السيطرة على التاريخ وصنعه وتوجيه مساره والفوز بخيراته. وهذه هي طبيعة التاريخ من حيث هو صراع وتغالب وتنافس بين الناس. قال تعالى: "لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" (البقرة 25).

 

إنها حكمة الله في خلقه الذي أمر الإنسان بالسعي وتعمير الأرض وجعل الأيام دول بين الناس "تلك الأيام نداولها بين الناس" (آل عمران 104).

 

وعلى الرغم من اختلاف السياق الثقافي الغربي عن سياقنا الثقافي الشرقي وما ينجم عن ذلك من صعوبة الفهم للنصوص والمفاهيم ومقاصدها، بذلنا قصارى جهدنا في تتبع الأفكار في منابتها الأصلية وسياقاتها التاريخية الحية بما توافر لنا من مصادر عربية وأجنبية.

 

يعد العصر الحالي أكثر العصور نزوعاً إلى التفكير بصورة تاريخية، وذلك بسبب ما شهده مشروع الحداثة الغربية من أزمات خانقة وأحداث عاصفة ومتغيرات كثيرة في مجمل الخبرة التاريخية في الثقافة والحضارة والمدنية، وهذا ما أفضى إلى ازدهار فلسفات التاريخ المعاصرة على نحو لم يسبق له مثيل. إذ شغلت مشكلة التاريخ وقواه وحركته وتطوره، ومشكلة الحضارة الغربية ومصيرها عدداً واسعاً من الفلاسفة والمفكرين أمثال نيتشة وشبنجلر بليخانون وبوير وكروتشة ولوكانش وكولنجوود وكولن ويلسون واشفيتسر وليفي شتراوس وسارتر وفوكو وهيرمان وجارودي وتوفلر وهننجتون وفوكو ياما وغيرهم.

 

وفي وسط ذلك الاضطراب الشامل تقف فلسفة أرنولد توينبي الليبرالية الجديدة كمحاولة للتوفيق بين جميع الاتجاهات الفلسفية المتصارعة، إذ جمعت بين النظرة الدورية للحضارات والنظرة الخطية للعناية الإلهية، وذلك بتأكيد التعاقب الدوري للحضارات مع الحفاظ على دور الوثبة الحيوية في نظرة التحدي والاستجابة، وهي بذلك تعد أصدق تعبير عن مثل الليبرالية الجديدة، فهي تعد تعبيراً عن مميزاتها، عن فشلها وعن التشاؤم التاريخي الكامن خلفها.

 

وإذا كان توينبي قد كتب نقشاً على ضريح الحضارة الغربية فإن المتشائمين الثقافيين أمثال نيتشة وشبنجلر وفوكو يتجمعون للاحتفال والسهر حول الجثة قبل دفنها.

 

محتويات الاطروحة

 

اشتملت هذه الأطروحة بعد التمهيد على خمسة فصول وخاتمة. توقفنا في التمهيد عند أهم المفاهيم التي تتصل بهذه الدراسة: التاريخ والحضارة المدنية والثقافة وعقدنا الفصل الأول لتتبع المسار التاريخي لنشوء فلسفة التاريخ وتطورها في الأدب الأسطوري القديم وفي الفكر الفلسفي اليوناني، وفي اللاهوت اليهودي المسيحي الوسيط، وتفسير التاريخ عند ابن خلدون. ثم انتقلنا للبحث في البدايات الأولى لفلسفة التاريخ الحديثة في عصر النهضة الأوربية وفي عصر التنوير وفي القرن التاسع عشر، إذ لاحظنا أنه يصعب فهم فلسفة التاريخ عند آرنولد توينبي دون العودة إلى تاريخ فلسفة التاريخ كله، ذلك أن توينبي قد أنشأ فلسفته في التاريخ والحضارة بالاعتماد على كل التراث التاريخي الماضي.

 

وخصصنا الفصل الثاني للحديث عن فلسفة التاريخ والحضارة في القرن العشرين، محاولين بيان العلاقة بين الأحداث والمتغيرات الكبيرة التي شهدها القرن وتجلياتها على صعيد الفكر الفلسفي التاريخي، وفي عدد من الاتجاهات الفلسفية، الاتجاه المادي الماركسي، الاتجاه الحيوي النيتشوي، والاتجاه الوضعي التجريبي، والاتجاه البرجماتي الذرائعي، وعرضنا لموقف توينبي من كل هذه الاتجاهات.

 

وفي الفصل الثالث تناولنا الخطوط العامة لفلسفة التاريخ عند أرنولد توينبي، وتوقفنا في البدء عند حياة توينبي والإمبراطورية البريطانية، وتتبعنا المسارات التي اتخذتها حياة توينبي منذ الميلاد والنشأة والتربية والتعليم والانخراط بالعمل الجامعي، وتطوره الفكري ونشاطاته الأكاديمية والسياسية واهتمامه بالقضايا العامة، وذكرنا أهم أعماله. وتحدثنا عن موقف توينبي بين التاريخ والفلسفة، ثم بينا الاتجاهات العامة في فلسفة توينبي في التاريخ والحضارة.

 

وعقدنا الفصل الرابع للبحث في تفسير توينبي للتاريخ والحضارة بعنوان التحدي والاستجابة والتعاقب الدوري للحضارات أوضحنا فيه معنى التحدي والاستجابة الذي اشتهر به توينبي وكيف أن توينبي فسر نشوء ونمو الحضارات وازدهارها, وانهيارها, بالاعتماد على فكرة التحدي والاستجابة، وتتبعنا معالجة توينبي مشكلة نشوء الحضارة من المجتمع البدائي، ونقده نظريات العرق والبيئة في تفسير ظاهرة الحضارة، ثم عرضنا لرأي توينبي في تعاقب الحضارات على شكل دوري في ثلاثة أجيال وعوامل نمو الحضارات وأسباب انهيارها، وتوقفنا عند تفسير توينبي للحضارة الغربية ومستقبلها، ورأيه في الصدام الحضاري بين العالم والغرب، وموقف توينبي من أمريكا ودورها في العالم المعاصر، ورؤية توينبي الليبرالية لخلاص الحضارة الأوروأمريكية ودعوته لقيام الدولة العالمية التي تستوعب كل الشعوب والديانات.

 

أما الفصل الخامس والأخير، فقد خصصناه لبحث تفسير توينبي للحضارة العربية الإسلامية، وتناولنا في البدء علاقة توينبي بالاستشراق واعتماده على الدراسات الاستشراقية ومسوغات اهتمامه بالحضارات الشرقية والحضارة الإسلامية على وجه التحديد، ثم درسنا تفسير توينبي الاستشراقي للحضارة العربية الإسلامية وكشفنا عن جملة من الاضطرابات والتناقضات التي وقع فيها توينبي في دراسته الدين الإسلامي ومكانة الرسول محمد r في تبليغ الرسالة، ودور العنصر العربي في تأسيس الدولة الإسلامية، ثم تناولنا بالدرس والتحليل موقف توينبي من فلسطين وإسرائيل في ثلاثة مستويات، تاريخي فلسفي أيديولوجي، وأشرنا إلى ردود الأفعال التي أثارتها آراؤه النقدية في اليهود والتعصب الإسرائيلي واحتلال إسرائيل فلسطين، وأوضحنا موقف الفكر العربي من توينبي، وكيف أن هذا الموقف غلب عليه الجانب الانفعالي الاحتفالي وغاب عنه الأفق الأكاديمي النقدي.

 

و عرضنا في الختام أرث توينبي وأثره في الثقافة المعاصرة، مبينين أهم الأفكار التي خلفها توينبي في تاريخ الفكر الإنساني، وأبرز الدارسين الذين استلهموا توينبي في دراستهم التاريخ والحضارة واستخلصنا أهم

المزيد


» كونوا أحرارا «

يناير 5th, 2009 كتبها زيد يحيى المحبشي نشر في , فكر

مفهوم الحرية في نهضة الحسين

 

طراد حمادة 

السفير اللبنانية// تاريخ العدد 05/01/2009 العدد 11189

أحيا حزب الله في لبنان، ذكرى عاشوراء هذه السنة تحت شعار »كونوا أحرارا…« وذلك في لحاظ مصاديق الوقائع والأحداث السياسية بداية الالفية الثالثة وبعد الانتصار المدوي في حرب تموز، وتراجع مشروع الادارة الاميركية الغاربة في الهيمنة على شبه القارة العربية الإسلامية وإقامة نظام إقليمي جديد في المشرق العربي واستخدام هذه الهيمنة لبسط سيطرة من جانب واحد على السياسات الدولية.

وكذلك يلحظ اختيار الشعار تطورات الأوضاع الراهنة في فلسطين المحتلة، والحرب العدوانية على غزة التي اندلعت في بداية شهر محرم هذا العام.

وكان حزب الله قد نبه العرب والمسلمين الى المخاطر المحيطة بالوضع الفلسطيني، ودعا بصريح العبارة الى نهضة الامة لنصرة غزة، ويلفت هذا الشعار، في موضوع اختياره، الى بعد سياسي في استراتيجية تحديد الأصدقاء من الأعداء، وإقامة الجبهات السياسية المقاومة للظلم والطغيان. جبهة الحرية، من أجل نظام سياسي عادل، يسوس الإنسانية، لتكون على صورتها في أحسن تقويم وفي جبهة الحرية، يلتقي جميع الناس الأحرار من جميع العقائد، والأفكار والأديان وجميع الشعوب والأمم والجهات والبلدان…

ومتى نستبين أهمية شعار الإمام الحسين (ع) »كونوا أحرارا« يمكن شرح مفهوم الحرية في ثورة الإمام الحسين (ع) من خلال خطبه ومواقفه وأعماله وتقريراته في إدارة المواجهة في واقعة الطف.

ومن المشهور أن الإمام الحسين (ع) ألقى في هذه الواقعة خطبا عدة تناول فيها الأحداث الجارية وخاطب فيها أنصاره، كما خاطب أعداءه المحيطين به في حصار رحالهم، وموقع الشهادة الحسينية، ومنبر الخطاب الحسيني، وسنحاول متابعة مفهوم الحرية في ثورة الإمام الحسين وفق النصوص المشهورة في خطبه في عاشوراء، بإيجاز مفيد على قاعدة أصول المقالة آملين أن نعود الى تحقيق هذا المفهوم في رسالة مستقلة…

بتدرج خطاب الإمام الحسين في موضوع الحرية، من نسبتها الى ذاته الشريفة بسلب العبودية لسوى الله عنها وإثبات عبوديته للحق تعالى وهو إثبات للحرية في حدي السلب والإيجاب عملا بشهادة التوحيد، لا إله إلا الله.

وفي هذا يتبع الإمام الحسين (ع) في خطابه المنهج الإلهي في شهادة التوحيد وهو منهج الانبياء والاولياء كما اتبعه أغلب العرفاء في التخلي والتحلي، لان التخلية مقدمة ضرورية لل

المزيد


طريق الإنسان إلى السعادة

ديسمبر 23rd, 2008 كتبها زيد يحيى المحبشي نشر في , فكر

بقلم //زيد يحيى المحبشي

الثلثاء 23 ديسمبر 2008م

 

بين الأمل والطموح تُحلّق أرواحنا من أجل الظفر بالسعادة التي تبقى حيّةً في آفاقٍ حاضرة ونحن نعتقد أنه لابُدَّ من الوصول إليها يوماً ما، ولا يوقفنا عن هذا الشعور المخملي إلا الموت وسخرية نهاية الحياة.. إنها أمل كل إنسان ومنشود كل البشر لأن بها يتحقق الأمن الروحي والنفسي، وهو مطلبٌ دونه عقباتٌ كثيرة بفعل بواعث القلق والخوف والاكتئاب، ودواعي التردد والارتياب والشك.. وهي أيضاً قصة الإنسان وشاغله الأول في مسيرة حياته، والفجوة الشاغرة بين الامتلاك والرضا، بين ما لدى الإنسان وما يريده، والحلقة المفقودة المصاحبة له في مكابدته الحياتية من المهد إلى اللحد.. ولذا قال الحكماء “الشيطان يُمنّيِك بالمفقود لتكره الموجود، ولكن الإنسان يظل باحثاً عن المفقود، حتى إذا امتلكه تحول إلى شقاءٍ موجود”، وقالوا أيضاً “إذا لم تستطع أن تعمل ما تُحب، فأحب ما تعمل، فإن السعادة تتحقق حين يسعد الإنسان بما لديه، حين يعجز عن الحصول على ما يتمنى، حين يسعى ويرضى” وفي الأثر “إذا أحببت أن تكون أسعد الناس بما علمت فأعمل، كفى بالمرءِ سعادةً أن يُوثق به في أمور الدين والدنيا”.

اليوم ونحن في عصر الحداثة والعولمة صارت السعادة بعيدة المنال بل وتكاد أن تنظم إلى قائمة المستحيلات بفعل تعقيدات الحياة، فملامح الاكتئاب تكسو وجوه الكثير ممن لازالوا في مقتبل العمر وأمامهم آمالٌ عريضة، شاخت نُفوسهم باكراً وأصبحوا حين يسألون عن السعادة يبادرونك بتنهدات الأسى والحزن.

لكن ما هي السعادة؟ ببساطة هي حالة معنوية نسبية تختلف من شخص لآخر تبعاً لمقومات الحياة وتطور الإنسان في مراتب الإنسانية وسلالم الكمال البشري، ولذا فهي لا تقاس بالكم ولا تحتويها الخزائن ولا تُشترى بالمال، لأنها حالة من الشعور والإحساس الداخلي بالابتهاج والاستماع وصفاء ا

المزيد


رسالة الإمام زيد بن علي (ع) إلى علماء الأمة

أغسطس 30th, 2008 كتبها زيد يحيى المحبشي نشر في , فكر

7671

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للَّه رب العالمين حتى يرضى وصلى اللّه وسلم وبارك وترحم وتَحَنَّن وسلم على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد.

إلى علماء الأمَّةِ الذين وجبت للَّه عليهم الحجة، مِن زيد بن علي بن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم.

سلام على أهل وَلاَية اللّه وحِزبِه.

ثم إني أوصيكم مَعْشَر العلماء بحظِّكم من اللّه في تقواه وطاعته، وأن لا تبيعوه بالمَكْس من الثَّمَن، والحقير من البَدَل، واليسير من العِوَض، فإن كل شيء آثرتموه وعَمِلتم له من الدُّنيا ليس بخَلَفٍ ممازيَّن اللّه به العلماء من عباده الحافظين لرعاية ما استرعاهم واستحفظهم من أمره ونهيه، ذلك بأن العاقبة للمتقين، والحَسْرَةَ والنَّدامة والويل الدائم للجائرين الفاجرين.

فتفكروا عباد اللّه واعتبروا، وانظروا وتَدَبَّروا وازدجروا بما وعظ اللّه به هذه الأمَّة من سوء ثنائه على الأحْبَار والرُّهبان.

إذ يقول: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الَّربانِيُّوْن وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوْا يَصْنَعُون﴾ [المائدة: 63].

وإنما عاب ذلك عليهم بأنهم كانوا يشاهدون الظَّلمة الذين كانوا بين ظهرانيهم يأمرون بالمنكر، ويعملون الفساد، فلا ينهونهم عن ذلك، ويرون حق اللّه مُضَيَّعاً، ومالَ اللّه دُولة يؤكل بينهم ظلماً، ودولة بين الأغنياء، فلا يَمْنعون من ذلك، رغبةً فيما عندهم من العَرَض الآفل، والمنزل الزائل، ومُدَاهنة منهم على أنفسهم.

وقد قال اللّه عز وجل لكم: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِيْنَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيْراً مِنَ الأَحْبارِ وَالرُّهْبَانِ ليَأْكُلُوْنَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيْلِ اللَّهِ وَالَّذِيْنَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُوْنَهَا فِي سَبِيْلِ اللَّهِ َفبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيْمِ﴾[التوبة: 34]،كيما تحذروا.

وإذا رأيتم العَالِم بهذه الحالة والمَنْزِلة فأنزلوه منزلة من عَاثَ في أموال الناس بالْمُصَانَعة، والمُدَاهنة، والمُضَارعة لِظَلَمَهِ أهل زمانهم، وأكابر قومهم، فلم ينهوهم عن منكر فعلوه؛ رغبة فيما كانوا ينالون من السُّحْت بالسكوت عنهم.

وكان صُدُودُهم عن سبيل اللّه بالاتِّباع لهم، والاغترار بإدْهَانهم، ومقارنتهم الجائرين الظالمين المفسدين في البلاد؛ ذلك بأن أتباع العلماء يختارون لأنفسهم ما اختار علماؤهم، فاحذروا علماء السوء الذين سلكوا سبيل من ذَمَّ اللّه وباعوا طاعة اللّه للجائرين.

إن اللّه عز وجل قال في كتابه: ﴿إَنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيْهَا هُدًى وَنُوْرٌ يَحْكُمُ بِهَا النبِيْئُوْنَ الَّذِيْنَ أَسْلَمُوْا لِلذِيْنَ هَادُوْا وَالربانِيُّوْنَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوْا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوْا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاتَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوْا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيْلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الكَافِرُوْنَ﴾[المائدة: 44].

فعاب علماءَ التوراةِ والإنجيلِ بتركهم ما استحفظهم من كتابه - وجَعَلَهم عليه شهداء - خَشْيَة الناس، ومواتاة للظالمين، ورضىً منهم بأعمال المفسدين. فلم يؤثروا اللّه بالخشية فَسَخِط اللّه عليهم لَمَّا اشتروا بآياته ثمناً قليلا، ومتاعاً من الدنيا زائلا.

والقليل عند اللّه الدنيا وما فيها من غَضَارَتِهَا وعيشتها ونعيمها وبهجتها؛ ذلك بأن اللّه هو عَلاَّم الغيوب. قد عَلِمَ بأن ركوبَ معصيَتِهِ، وتركَ طاعَتِهِ والمداهنة للظلمة في أمره ونهيه، إنما يلحق بالعلماء للرَّهْبة والرَّغبة من عند غير اللّه، لأنهم علماء بالله، وبكتابه وبسُنَّة نبيه صلى اللّه عليه وآله وسلم.

ولعَمْري لو لم يكن نال علماءَ الأزمنةِ من ظلمتها وأكابرها ومفسديها شدةٌ وغلظة وعداوة ما وَصَّاهم اللّه تعالى وحذرهم، ذلك أنهم ما ينالون ما عند اللّه بالهوينا ولا يخلدون في جنته بالشهوات.

فكره اللّه تعالى للعلماء - المُسْتَحْفِظِين كُتُبَه وسُنَّته وأحكامه - ترك ما اسْتَحْفَظَهم، رغبةً في ثواب مَنْ دُونَه، ورهبةَ عقوبةِ غيره. وقد مَيَّزَكم اللّه تعالى حَقَّ تميز، ووسَمَكم سِمَةً لا تخفى على ذي لُبّ، وذلك حين قال لكم: ﴿وَالمُؤْمِنُوْنَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيْاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُوْنَ بِالْمَعْرُوْفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وَيُقِيْمُوْنَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوْنَ الزَّكَاةَ وَيُطِيْعُوْنَ اللَّهَ وَرَسُوْلَهَ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ غَزِيْزٌ حَكِيْمٌ﴾ [التوبة: 71].

فبدأ بفضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم بفضيلة الآمرين بالمعروف والنَّاهين عن المنكر عنده، وبمنزلة القائمين بذلك من عباده.

 

ولعَمْرِي لقد استفتح الآية في نَعْت المؤمنين بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاعتبروا عباد اللّه وانتفعوا بالموعظة.

وقال تعالى في الآخرين: ﴿وَالْمُنَافِقُوْنَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأَمُرُوْنَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوْفِ﴾[التوبة:67].

فلعَمْرِي لقد استفتح الآية في ذمهم بأمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف، فاعتبروا عباد اللّه وانتفعوا، واعلموا أن فريضة اللّه تعالى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا أقيمت له استقامت الفرائض بأسرها، هَيِّنُها وشَدِيْدُها، وذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو: الدعاء إلى الإسلام، والإخراج من الظُّلْمَة، ورَدّ الظالم، وقِسْمَةِ الفَيء والغنائم على منازلها، وأخذ الصَّدقات ووضعها في مواضعها، وإقامة الحدود، وصِلَةِ الأرحام، والوفاء بالعهد، والإحسان، واجتناب المحَارم، كل هذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول اللّه تعال

المزيد


وأنتم الأعلون سنداً

يونيو 25th, 2008 كتبها زيد يحيى المحبشي نشر في , فكر

 

 728ima

بقلم// زيد يحيى المحبشي *

“تضيق بنا المسافات فلا نستطيع الركض , وتحاصرنا الزوايا فنتمدد فوق الأرصفة , نظن أننا نسير ونحن متوقفون , ونحلم بالنوم ونحن ساهرون , ونعيش في زمن (العمالقة) فلا  نرى .. إلا (الأقزام)..!! ”    *عبدالرحمن التركي.

يقول تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس” “كنتم” من أفعال الماضي الناقصة مع إفادتها التمام والدوام وتلك الأمة هي أمة الوسط المشرفة ب “لتكونوا شهداء على الناس” من بطحاء مكة كان انبعاث حضارتها على يد النبي الأمي فحصدت المجد والعزة وذلك نتاج طبيعي لما تحلى به الرعيل الأول لصانعي حضارة الإسلام من عبقرية الطموح إلى الحياة المثلى والتسابق في خيرات الترقي على سلالم الكمال البشري وصولاً إلى مرحلة حق وعين اليقين الوارد فيها “والله لو كُشِفَ لي الغطاء ما ازددت يقيناً”.

بالإضافة إلى النبوغ المعرفي الجاعل من الحفاة الرعاة منارة أضاءة الكون بأسره وبطولة للتغيير الكاسرة أغلال الانعتاق  والكبت والتحجر والتقوقع بإرادة ماضية وعزيمة أصحاب العزم بعيداً عن محادل التسييس والتفتير والتفريخ.

إن الإسلام هو المنطلق لبروز حضارة العرب ومرد ذلك عقيدته المحررة والمحرضة على صنع الحضارة الإنسانية المثالية وجوهره ثوابته ومصادره الداعية إلى إعمالها دون استثناء “الإيمان يهتف بالعمل فإن أجابه و إلا ارتحل” , “الإيمان قولٌ باللسان وعملٌ بالأركان واعتقادٌ بالجنان” وبيان ذلك القرآن الكريم الكتلوج والدستور المنظم أدق معالم الحضارة الإسلامية ,إذ تمثلت في مقدمة حقائقه أهمية الإيمان بالله الخالق الواحد الذي لا شبيه له ولا نِدّ ولا عديل ,وهي حقيقة تدخل في إطار تحرير الإنسانية من أغلال المعتقدات المنحرفة المبقية للإنسان أسيراً لها والممانعة له من الانطلاق نحو اكتشاف الحقيقة وبالتالي الحد من الإبداع والنبوغ في سبيل خيرية الإنسانية .

من هنا جاءت العلية لهذه الأمة بفعل المضارع وليس الم

المزيد


مسائلة علمية بين العالمين ناصر المحبشي وبن الامير الصنعاني

أبريل 3rd, 2007 كتبها زيد يحيى المحبشي نشر في , فكر

رسالة في اختلاف ألفاظ الحديث النبوي

تأليف العلامة بدر الدين محمد بن إسماعيل الأمير الصَّنعاني المتوفى سنة 1182هـ

وهذا نصها:

بسم الله الرحمن الرحيم

سؤال ورد من العلامة ناصر بن حسين المحبشي(1) عافاه الله إلى سيدي العلامة البدر المنير محمد بن إسماعيل الأمير، قال:

ما قولكم في اختلاف الروايات في الأحاديث بألفاظ متعددة مع أن بعضها قد يكون فيه منافاة لبعض، ومع أن الواقعة قد تكون متحدة في بعض الأحاديث، بل غالبها، فما الذي يتكلم به الرسول صلى الله عليه وآله سلم من هذه الألفاظ، هل لفظ واحد والآخر رواية بالمعنى، وما يقال مع منافاة أحد الألفاظ للآخر، ثم ما يقال إذا فرض اتحاد الواقعة؟

تفضلوا بالإفادة، والله المسؤول أن يصلى على سيدنا محمد وآله، وأن يبارك للمسلمين في أعماركم، وتدم للطيبين إفادتكم، آمين اللهم آمين.

 

الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله والطاهرين، وبعد:

فقد تحققتُ السؤال، وهو كما ذكره السائل دامت إفادته، من الإشكال، فأقول في جوابه والله الهادي إلى ما فيه النجاة من الحال والمآل.

اعلم أن اختلاف ألفاظ الأحاديث النبوية لا شك في وقوعه، وأنه يقع على وجوه:

الأول: أن يتعدد الرواة من الصحابة في واقعة معينة متكررة:

وذلك كاختلاف روايات الأذان، منهم من رواه بتربيع التكبير أوله(2)، ومنهم من رواه بعدمه(3)، وكذلك الترجيع(4) في الشهادتين(5)، وكذلك التثويب(6) (7) ، وكذلك اختلفوا في ألفاظ التوحيد، وفي ألفاظ التشهد، وغير ذلك مما ثبت في الأحاديث، صحيحة أو حسان.

ومثل هذا كثير، كاختلافهم في كيفية رواية صلاة الخوف حتى بلغ إلى زيادة على عشر كيفيات(8)، ومثل اختلافهم في ركوعات صلاة الكسوف من اثنين إلى خمس(9).

فهذا القسم أمره هين وإشكاله سهل؛ لأنه قد علم أنه صلى اله عليه وآله وسلم في الأفعال المتكررة مثل أذكار الصلاة التي ذكرنا كان يعلمهم، فمن روى رواية وصحت أو حسنت طرقها كتشهد ابن عباس(10) مثلاً، وتشهد ابن مسعود(11)، فهما حديثان صحيحان اختلفت ألفاظهما والكل مرفوع، فمثل هذا ومثل ألفاظ الأذان وغير ذلك محمول على تعداد التعليم منه صلى الله عليه وآله، وعلم كل ما رآه صلى الله عليه وآله وسلم توسعة على العباد، فهم مخيرون بأي رواية عملوا أجروا واقتدوا وامتثلوا، فمن ربَّع في التكبير ورجَّع فليس عليه نكير، ومن ترك التربيع فكذلك، إذ الكل مروي بأحاديث معمول بها دالة على التخيير للعباد، وكذلك ألفاظ التشهد والتوحيد من أتى بأيها ممن روى بطرق معمول بها فهو بالخيار في ذلك.

وأما ترجيح بعض الروايات على بعض مع صحتها كلها فلا أراه إلا من باب محبة الناس الخلاف، وبعضهم بما نهى الله عنه من الاختلاف، والترجيح يكون عند التعارض وهو التناقض؛ ولا يتم التناقض إلا بشرط الإتحاد في الوحدات، التي من جملتها وحدة الزمان، والأفعال المتكررة في كل يوم، لا يتحد فيها الزمان، فمن روى التربيع مثلاً قلنا له صدقت، ومن روى عدمه قلنا له صدقت، لتعدد زمان هذا الذكر، ومع صدقهما وصحة الرواية عنهما، قلنا هذا مِن القول المخير فيه، لأن الشارع قد صانه الله عن التناقض، ولأن شرط التناقض مفقود؛ وهو اتحاد الزمان.

ومن عرف هذا التقرير، عرف العصبيات بين المتمذهبين، ورمْي كل طائفة الأخرى بالابتداع، وعرف تكلف التأويلات لما ورد بحق هذا الوارد من الروايات، ومن هنا يعرف ضعف ما ذهب إليه الجلال(12) رحمه الله في ( ضوء النهار ) (13) من الحكم باضطراب رواية التربيع والتشفيع مع إقراره بأنها روايات ثقات، فنقول روايات الثقات صحيحة غير مضطربة، وكلٌّ روى ما عرفه وسمعه، والروايات غير محددة فكلهم صادق، وهو من العمل المخير فيه، وادعاء الاضطراب باطل مع إمكان الجمع، فإن دعوى الاضطراب إبطال روايات الثقات بغير دليل(14)، ومن ذلك دعوى ابن القيم وشيخه ابن تيميَّة، وتبعهما صاحب ( المنار ) (15) في ردِّ أحاديث إتمام الرباعية في السفر، فإنهم لمَّا اعتقدوا وجوب القصر ردوا روايات الإتمام، وقالوا: فعل عائشة وعثمان حيث أتما في السفر(16)، وتمحل(17) ابن القيم في الهدي (18) وجوهاً نقلها تأويلات لإتمامها، وردَّ ابن تيمية حديث عائشة(19) في أنها أتمت وقصر صلى الله عليه وآله وسلم وصامت وأفطر صلى الله عليه وآله وسلم(20) بمجرد استبعاد أنها تخالف رسول الله وأصحابه، قلت: مع أنه قد ثبت أن الصحابة قصروا في السفر وأتموا وصاموا وأفطروا ولم يعب بعضهم على بعض وثبت أنه صلى الله عليه وآله صام وأفطر في سفر الفتح فإنه كان في رمضان وصام أصحابه، ثم أفطر وأمر بالإفطار قبل دخول مكة، ليقووا على الجهاد(21) ، فالحق أن القصر والإتمام في السفر من العمل المخير فيه، وأن عثمان وعائشة لم يتأولا، بل يريان التخيير، فعملا بأحد الجانبين، وعمل ابن مسعود بعد أن أنكر على عثمان الإتمام فأتم هو أيضاً في منزله، وقال: (( الخلاف كله شر )) (22) أو نحو هذا، وقد حققنا البحث في المسألة في رسالة.

وإذا عرفت هذا القسم هان عليك ما تراه من اختلاف ألفاظ الروايات الصحيحة في الأمور المتكررة، وعرفت أنه لا تناقض ولا تعارض فإنهما يكونان مع اتحاد الزمان.

ولهذا قال أئمة الأصول: إنها لا [ تتعارض(23) ] أفعاله صلى الله عليه وآله وسلم، لأنه لا يمكن فعلان متعارضان في حين واحد، ولا يتصور ذلك؛ لأن لكل فعل له ظرف زمان لا يكون لغيره.

 

الثاني من الوجوه: أن تتحد القصة وتختلف الألفاظ فيها:

وهذا هو المشكل، وذلك واقع كثيراً كقضية بيع جمل جابر وشرائه صلى الله عليه وسلم له منه(24)، فإنه اختلف لفظه في القيمة، وفي اشتراطه ركوبه إلى المدينة، وكاختلافهم في ركوعات صلاة الكسوف مع أنه لم يصلها إلا مرة واحدة، بخلاف صلاة الخوف فإنه صلاها مراراً على وجوه مختلفة فهي من القسم الأول، وكاختلافهم في حجه، وكل منهم روى أنه حج صلى الله عليه وآله وسلم [ حجّاً(25) ] مفرداً، وآخرون رووا أنه تمتع، وآخرون أنه قارن، وهي في واقعة واحدة، وحجة واحدة، ونحو هذه الصور وهو كثير؛ فهذا لا بد فيه من النظر في الروايات وطرقها، والصحيح منها والراجح من المرجوح، وهو شيء عسير إلا على من سهله الله، فإن تم للناظر الترجيح كما تم للعلماء النظار في حديث جابر، فرجح البخاري رواية (( وشَرَطَ ظهره إلى المدينة )) (26)، ورواية في شرط ظهره إلى المدينة قال البخاري: ( الاشتراط أكثر ) (27) فرجَّح هذا اللفظ على الثلاثة الألفاظ المروية في القصة، وكذلك رجَّح أن القيمة كانت أوقية(28) على رواية مائتي درهم ورواية أربع أواقي ورواية عشرين ديناراً، قال البخاري: ( قول الشعبي بأوقية أكثر ) (29).

وفي صلاة الكسوف [ رجحوا ] (30) رواية الركوعين على من روى ثلاثة وأربعة وخمسة وأوضحوا الوجه في الترجيح.

فإن قوي للناظر ما قالوه فالمراد، وإن ظهر له الترجيح بخلاف ما رجحوا به ف

المزيد


ثورة حليف القرآن والثورة البرتقالية

مارس 20th, 2007 كتبها زيد يحيى المحبشي نشر في , فكر

ثورة حليف القرآن والثورة البرتقالية

زيد يحيى المحبشي.

لم يكن مستغرباً أن يعيد التاريخ نفسه في شهر محرم الحرام بما فيه من مآسٍ وأحزان على أمتنا العربية إذ فيه فقدت الأمة عمودين هامين من أعمدة الحرية الأول السبط الحسين في العاشر من المحرم لعام 61هـ والثاني زيد بن علي حليف القرآن في الخامس والعشرين من المحرم العام 122هـ. بعد نجاحهما في إسقاط شرعية الأنظمة المتسلطة وهز كيانها وكشف زيف أوراق المتآمرين على الحق والحرية والعدالة من طابور خامس ظل مؤرقاً للأمة الإسلامية منذ بزوغ شمس الرسالة المهداة.

تزامن إحياء ذكرى الحدثين جاء متواكباً مع دخول لبنان في ذات المسار الذي شهده الأوائل في عهد الأمويين لا سيما وأن اغتيال الحريري رمز الوفاق وداعية السلام وقائد البناء والتعمير جاء في ذات المحرم لتدخل الأمة العربية بذلك مرحلة جديدة من التآمر الداخلي وإطلال ثعابين الفرقة والتخريب برؤوسهم بعد أن ظلت مطمورة ردحاً من الزمن ومع وجود تغذية خارجية ورغبة استعمارية جامحة لزعزعة كيان الأمة العربية ونزع أجواء الصفاء والوفاق منها.

إنه المحرم بكل مآسيه نقف مع لحظاته الدالة وتداعياتها المؤرقة وأولاها ذكرى استشهاد حليف القرآن والذي بَيَّنَ هدف خروجه ومطالب ثورته منذ اللحظة الأولى لانطلاقتها (للإصلاح في أمة جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).

وهو نفس المبدأ الذي أسال من أجله سبط الرسول الحسين دمه ودم رفاقه وأهل بيته في سبخة كربلاء القاحلة (إذا كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني).

ذرية بعضها من بعض هدفها واحد ومنهجها واحد وهو خيرية الأمة ونشدان سعادتها وتحقيق ما يكفل لها العدل والحرية والوحدة والقوة والاستقرار والأمن والأمان ومن ثم تحصينها عن عوامل الخلاف والاختلاف والاختراقات الباغية لها دوائر الفتنة والإقتتال.

من أجل هذا قدمت قافلة كبيرة من قرابين العشق الإلهي من بيت النبوة لتظل منارة الإسلام عالية شامخة مضيئة العالم بأنوار سناء الرحمة المهداة إلى يوم الدين.

لم يكن لها أي مطمع أو هدف دنيوي زائل ولو أرادته لنالته مستمدة وهج ووقود شرعية التغيير من قول خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم (والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الدين ما تركته…الخ).

لهذا كان خروج زيد بن علي تلميذ القر

المزيد